يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
377
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
وفود الروم والهند والصين ، فذكروا من ملوكهم وبلادهم ، فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم لا يستثني فارسا ولا غيرهم ، فقال كسرى وأخذته عزّة الملك : يا نعمان لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم ، فرأيت الروم كذا ، ووصف من حالهم وجعل يثني عليهم ، ورأيت الهند التي لها كذا وكذا ، ثم قال مثل ذلك من الترك والخزر والصين ، متى ذكر قبيلة أثنى عليها ووصف ما يفتخرون به ، ثم قال : ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير ، وجعل يصف شأنهم وهو يحقرهم ويصغرهم ، فقال النعمان : أصلح اللّه الملك ، وجعل يثني عليه ، ثم قال : ألا إن عندي جوابا في كل ما نطق به الملك في غير ردّ عليه ولا تكذيب له ، فإن آمنني من غضبه نطقت به ، قال كسرى : فأنت آمن ، فقال النعمان : أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في ذلك الفضل لموضعها الذي هي به في عقولها وأحلامها وبسطة محلها وبحبوحة عزها وما أكرمها اللّه به من ولاية آبائك وولايتك ، وأما الأمم التي ذكرت فأيّ أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها ، قال كسرى : بماذا ؟ . قال النعمان : بعزها ومنعتها وحسن وجوهها ودينها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدّة عقولها وأنفتها ووفائها . فأما عزها ومنعتها ، فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوّخوا البلاد ووطدوا الملك وقادوا الجنود ، لم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نايل ، حصونهم ظهور خيولهم ، مهادهم الأرض وسقفهم السماء ، وجنتهم السيوف وعدتهم الصبر ، إذ غيرها من الأمم إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور . وأما حسن وجوهها وألوانها ، فقد تعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المتحرّقة والصين المحنتمة والترك المشوّهة والروم المقشوّة . وأما أحسابها وأنسابها ، فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها ، وكثيرا من أوّلها وآخرها ، حتى إنّ أحدهم يسأل عما وراء أبيه دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه ، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبا أبا ، حفظوا بذلك أحسابهم وضبطوا به أنسابهم ، فلا يدخل رجل في غير قومه ولا ينتسب إلى غير نسبه ، ولا يدعي إلى غير أبيه . وأما سخاؤها ، فإن أدناهم رجلا الذي يكون عنده البكرة أو الناب ، عليها بلاغة في حمولته وشبعه وريه ، فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزي بالشربة ، فيعقرها له ويرضى أن يخرج له من دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الثناء . وأما حكمة ألسنتها ، فإن اللّه أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه مع معرفتهم بالإشارة وضرب الأمثال وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيء من